تعد الرشوة من الدعائم المكينة للفساد. هي الزيت الفائق الجودة الذي بدونه لن ينطلق محرك الفساد؛ صاعداً نازلاً وفي جميع الجهات والزوايا يضع يده على ما ليس من حقه أو يتخفف من النصاب المطلوب لهذا الحق.
بالرشوة تنطمس المعايير وتتبدل بنود كراسة الشروط. تُشاد هياكل ورقية لها مظهر مطابِق غير أن المخبر يمتلئ بالأعطاب وبالرزايا وبما لا يصمد لاختبار الزمان. الاستعمال والتشغيل ودورة العمل تكشف مدى السوء في التنفيذ.
كم مشروعاً أُعطي الضوء الأخضر للاستمرار رغم عثراته في الإنشاء ورغم التحذيرات من الشهود المحايدين، غير أن شهود الزور المغلولة أيديهم بهدايا وعطاء المقاول لديهم رأي آخر؛ يصادق ويبصم ويستلم المشروع بعيوبه المستورة والتي ستظهر عما قليل وتطفو رائحتها بين المستخدمين.
المهندس المرتشي يلغي علمه وخبرته ويعصب عينيه؛ فالرشوة تعمي عين الحكيم وإطعام الفم يقرر الاستجابة والطاعة والإذعان.
من لطائف المعجم العربي أنه يسمي الرشوة برطيلاً.. والبرطيل حجر رقيق لكنه حاد.. والبرطلة قلنسوة يلبسها الحارس. والمعنى أن الراشي يضع حجراً في بطن المرتشي فتثقل حركته وتضعف إرادته؛ فيصبح تحت سلطة الأول ورهن مشيئته "شبيك لبيك.. مرتشيك بين إيديك". أما البرطلة فهي علامة مميزة للمرتشي تشير إلى أنه حارس لأطماعه ورغباته الشخصية. يتخلى عن الأمانة والعفة وحراسته لمصلحة مجتمعه، ولا يرى إلا الطريق القصير السريع الذي يوصله إلى الثروة وما تحققه له من مشتهيات؛ تأتي على حساب القيم الدينية والقواعد الأخلاقية.
وأمامي نموذج، ليس أخيراً بالطبع، على هذا السلوك المشين المخزي. حيث الجهات الأمنية في الأحساء تجمع خيوط قضية رشوة أطرافها أربعة مهندسين ومقاول "وطني". ميدانها قطاع المشاريع والمباني بإدارة التربية والتعليم بالأحساء. ولعل هذه القضية تؤكد الملاحظات على هشاشة تلك المشاريع التي يجري التواطؤ حولها؛ تمشية الحال والتلفيق والاطمئنان إلى التجارب السابقة "الناجحة" في التمرير والقبض "ولا من شاف ولا من دري". لكن هذه المرة: البراطيل لن تنصر الأباطيل.. قولوا إنْ شاء الله.